بقلم سمر ثوابتة

يبدو أن الفلسطينيين في حاجة ماسة للإصلاح النظام السياسي لقطع الطريق على مخططات اليوم التالي للحرب التي يحاول ان يفرضها الاحتلال بعد الانتهاء من الاعمال العسكرية في قطاع غزة، قبل ان يدخلون في أزمة سياسية شائكة التعقيد قد تفوق قدراتهم في هذه المرحلة المصيرية على تجاوزها دون دفع ثمن سياسي من وحدتهم ونضالهم وقضيتهم.

إن الدعوات التي تطالب بتغيير النظام السياسي الفلسطيني تحمل في طياتها أهدافاً غير معلنة وبعيدة عن الإصلاح الحقيقي الذي يحقق للمواطن الفلسطيني علاقة صحية مع نظامه السياسي خصوصاً في ظل عدم وجود عقد اجتماعي بين الفلسطينين ومؤسساتهم نتيجة تعطل العملية الديمقراطية منذ ما يزيد عن ستة عشر عام، ولعل الهدف المقروء من هذه الدعوات أن هناك رغبة في إعادة هيكلة السلطة ولكن قد يكون هناك اهداف غير معلنة من بعض الدول التي تضغط من اجل هذا الاصلاح

وابتداء أود أن اسجل عددا من الملاحظات التي أرى أهميتها في مرحلة التحول السياسي التي نشهد بعض مؤشراته والتي قد تدفع في اتجاه تراجع عملية الإصلاح وليس في اتجاه تعميقها بما تؤكده من ضمان عملية تغيير وتحول منتظمة وهادئة من دون عنف.

إن النظام السياسي الفلسطيني في حاجة ملحة إلى إعادة هيكلة وإصلاح بنيوي ووظيفي، وبقراءة القانون الأساسي نرى أن النظام السياسي الفلسطيني يتأرجح ما بين الرئاسية والبرلمانية، وقد لا يكون في هذا عيباً، ولكن الخطوط القاطعة ما بين الرئاسة والبرلمان وما بين مؤسسات السلطة التنفيذية غير دقيقة وواضحة، مما قد يبعث دائما على التنازع في الاختصاصات والسلطات، والأساس في النظام السياسي الفلسطيني أنه رئاسي، وتحت ضغط الرغبة في الإصلاح داخليا وخارجيا، خرج منصب رئاسة الحكومة من قلب النظام الرئاسي، وهذا هو المنزلق الذي وقع فيه واضعو القانون الأساسي، ومثل هذه النظم السياسية المهجنة على غرار النظام السياسي الفرنسي تحتاج إلى ركائز ودعامات معينة مثل القبول بالمشاركة السياسية التي تعترف بالآخر، إلى جانب إقرار مبدأ تداول السلطة السياسية وتوفير تعددية حقيقية، وإعلام حر، ومواطنة إيجابية، وفي ضوء قراءة النظام السياسي الفلسطيني فإن أهم المعضلات القائمة هي عدم قدرة السلطة السياسية على التعايش والتكيف السياسي وهو ما يفسر لنا حالة التنازع على السلطة.

ثم إن أي شكل من أشكال التراجع في عملية الإصلاح الديمقراطي يتعارض تماماً مع قوانين الإصلاح التي عرفتها التجارب التاريخية والسياسية للعديد من الشعوب، ومن شأنها أن تقود إلى حالة من الفوضى والانقسام والتناحر التي قد توقع خسائر بشرية ومادية كبيرة وتتهدد معها وحدة النسيج الاجتماعي والسياسي.

كذلك فإن الحاجة إلى عملية الإصلاح الدستوري والسياسي ستظل تشكل إحدى أهم أولويات العمل السياسي الفلسطيني. ولا خلاف على أن عملية الإصلاح تأتي استجابة لواقع بيئي داخلي وخارجي.

ولعل السؤال الذي يمكن أن يطرح هنا، هل يوجد نظام سياسي مثالي يحتذى؟ من خلال دراستي للحالة لا أعتقد أنه يوجد نظام سياسي مثالي، النظام السياسي الجيد أو الصالح هو الذي يملك القدرة على الاستجابة والتكيف مع السياق السياسي الداخلي والخارجي. النظام السياسي المطلوب هو الذي يتعامل مع عناصر القوة بما يحفظها ويطورها، وفي الحالة الفلسطينية هو القادر أولاً على إزالة الاحتلال، وعلى إقامة دولته المستقلة وتوفير البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي توفر لها القدرة على البقاء والنماء والتوالد الذاتي للقوة. وأن تتوفر له كل ركائز الديمقراطية وهي بلا شك عملية شاقة وطويلة ومتراكمة.

إن النظام السياسي الأكثر استجابة للواقع الفلسطيني ومتطلباته وتحدياته المستقبلية يجب أن يكون رئاسياً قوياً مع وجود سلطة تشريعية قوية في إطار من توافر نظام للأثقال والتوازنات ما بين السلطة التنفيذية والتشريعية قادر على خلق حالة من الاستقرار والانتظام في عملية ممارسة السلطة، بما يحول دون تجاوز أي سلطة لصلاحياتها، وقد يرى البعض أن النظام البرلماني هو الأنسب، لكن كل نظام يحتاج إلى مقومات وركائز حتى ينجح ويستمر. لا شك في أن نجاح عملية الإصلاح الديمقراطي يحتاج إلى ثقافة سياسية ومنظومة من القيم والحقوق والواجبات ومواطنة حقيقية وبنية من مؤسسات المجتمع المدني التي تحد من غلواء السلطة السياسية، هذا ما نحتاجه في هذه المرحلة المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية، وإذا لم نول هذه القضية أهميتها سيظل النظام السياسي الفلسطيني يراوح مكانه في دائرة التنازع والتناحر وليس في دائرة الإصلاح